فوزي آل سيف
75
من قصة الديانات والرسل
العهدُ القَدِيم ماذا حُرِّفَ وماذا سَلِم؟ "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ"[222] تتناول هذه الصفحات ما هو موجود في التراث اليهودي، مما نعتقد أنه تعرض للتحريف والتغيير وَنُقَدِّمُ لذلك ببعض المقدِّمات: الأولى: إنَّ الذي يقوم بتحريف شيء، أو يغش فيه، لا يفسده بالكامل؛ لأنَّه لو فعل ذلك لما أخذه منه أحد، فلو أراد أحدهم أن يغش في البيع فإنَّه لا يجعل البضاعة كلها تالفة، وإلاَّ لم يشترِ منه أحد، وإنما يخلط فاسدًا بصحيح، وآنئذ يستطيع بيع هذه البضاعة المختلطة. والأمر في التَّحريف هو هكذا تماما فلا أحد يأتي ويغيِّر كل شيء، ولكن يبقي شيئًا ويُفسِدُ آخر فيختلط الأمر على القارئ ويأخذ الجميع. الثانية: إنَّنَا نحتاج لمعرفة أبعاد الأشياء أن يكون لدينا مقياس ثابت، فتقاس إليه تلك الأشياء وتعرف أبعادها، ففي الأطوال يفرض مقياس المتر أو الكيلومتر في المسافات البعيدة. وفي الأوزان الكيلو غرام وهكذا. ولكي نعرف ما حصل من التحريف في بعض الكتب السماوية لابد لنا من مقياس ثابت، نقيس معلومات تلك الكتب وأحكامها إليه ولا بد أن يكون صحيحا كالقرآن الكريم الذي حفظ من التغيير والتبديل حتى على مستوى الحرف الواحد. الثالثة: إننا نقدر جهود كل العاملين المسلمين الذي أنجزوا عملاً ما، صَغُرَ أو كبر، في حفظ القرآن الكريم بنوعٍ من أنواع الحفظ، فالخطاط الذي يخط سور القرآن الكريم يساهم بدرجة من الدرجات في حفظه لأنه ينقله من الصدور إلى السطور. وذلك الذي يهتم بعلوم القرآن والتي تنتهي إلى حفظ بعض شؤون القرآن الكريم يُقدَّر له هذا الجهد. إن علم التفسير، والقراءات، والتجويد، وإعراب القرآن، والنواحي البلاغية في آياته وغير ذلك، كلها قد ساهمت بدرجة من الدرجات في حفظ القرآن الكريم. هذا مع أن الله سبحانه وتعالى تعهَّد بحفظه فقال: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"[223]، غير أن هناك ـ بعد السبب الغيبي ـ أسبابًا طبيعية ساعدت على هذا الحفظ، ثم إن الحفظ الأكبر هو حفظ المعاني[224]والدفاع عن تأويل القرآن، وأول من قام بذلك هو سيدنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وذريته (عليهم السَّلام).
--> 222 البقرة: 79 223 الحجر: 9 224 ولهذا السبب لم يتم التحريف المعنوي بالنحو الواسع الذي يقضي على المعنى الأصلي للكتاب، لقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله لأمير المؤمنين عليه السلام أنه يقاتل على تأويل القرآن. والقتال (بمعنى الحرب) على التأويل وإن كان خاصا بالإمام أمير المؤمنين إلا أن الجهاد لحفظ تأويل القرآن والمنع من تزييف معانيه كان سيرة ومسيرة باقي المعصومين عليهم السلام. ولذلك وبالرغم من سعي السلطات في طول تاريخ الإسلام في تزييف معاني القرآن إلا أنها لم تستطع أن تفرض ذلك الخط المزيف على الأمة بحيث يكون صاحب الرأي الأول والاخير في فهم القرآن، وهذا بخلاف الحالة اليهودية التي تحالف فيها أهل السلطان والذين أوتوا نصيبا من الكتاب على اخفاء المعاني الحقة، فنتج عن ذلك حصول التحريف بأوسع صوره.